العيني

292

عمدة القاري

والصمد هو القصد في اللغة . والثامن : أن سترة الإمام سترة للقوم ، وقد مر الكلام فيه . والتاسع : ذكر أصحابنا أن المعتمد الغرز دون الإلقاء ، والخط ، لأن المقصود هو الدرء فلا يحصل بالإلقاء ولا بالخط ، وفي ( مبسوط ) شيخ الإسلام : إنما يغرز إذا كانت الأرض رخوة ، فإذا كانت صلبة لا يمكنه فيضع وضعاً . لأن الوضع قد وري كما روي الغرز ، لكن يضع طولاً لا عرضاً . وروى أبو عصمة عن محمد : إذا لم يجد سترة ؟ قال : لا يخط بين يديه ، فإن الخط وتركه سواء ، لأنه لا يبدو للناظر من بعيد . وقال الشافعي بالعراق : إن لم يجد ما يخط خطاً طولاً ، وبه أخذ بعض المتأخرين . وفي ( المحيط ) : الخط ليس بشيء . وفي ( الذخيرة ) للقرافي : الخط باطل ، وهو قول الجمهور ، وجوزه أشهب في ( العتبية ) وهو قول سعيد بن جبير والأوزاعي والشافعي بالعراق ، ثم قال بمصر : لا يخط ، والمانعون أجابوا عن حديث أبي هريرة المذكور أنه ضعيف . وقال عبد الحق : ضعفه جماعة ابن حزم في ( المحلى ) : لم يصح في الخط شيء ولا يجوز القول به . والعاشر : أن السترة إذا كانت مغصوبة فهي معتبرة عندنا وعن أحمد تبطل صلاته ، ومثله الصلاة في الثوب المغصوب عنده . الثاني من الأحكام أن الدرء ، وهو : دفع المار بين يدي المصلي هل هو واجب أو ندب ؟ فقال النووي : هذا الأمر ، أعني قوله : ( فليدفعه ) ، أمر ندب متأكد ولا أعلم أحداً من الفقهاء أوجبه . قلت : قال أهل الظاهر بوجوبه لظاهر الأمر ، فكأن النووي ما أطلع على هذا ، أو اعتد بخلافهم . وقال ابن بطال : اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترة ، فأما إذا صلى إلى غير السترة فليس له ، لأن التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلي فيه ، فلم يستحق أن يمنعه إلاَّ ما قام الدليل عليه ، وهي السترة التي وردت السنة بمنعها . الثالث : إنه يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده ، وإنما يدافعه ويرده من موضعه ، لأن مفسدة المشي أعظم من مروره بين يديه ، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه ، وإنما يرده إذا كان بعيداً منه بالإشارة والتسبيح ، ولا يجمع بينهما . وقال إمام الحرمين : لا ينتهي دفع المار إلى منع محقق ، بل يومىء ويشير برفق في صدره من يمر به ، وفي الكافي للروياني يدفعه ويصر على ذلك ، وإن أدى إلى قتله . وقيل : يدفعه دفعاً شديداً أشد من الدرء ، ولا ينتهي إلى ما يفسد صلاته ، وهذا هو المشهور عند مالك وأحمد . وقال أشهب في ( المجموعة ) إن قرب منه درأه ولا ينازعه ، فإن مشى له ونازعه لم تبطل صلاته ، وإن تجاوزه لا يرده لأنه مرور ثان ، وكذا رواه ابن القاسم من أصحاب مالك ، وبه قال الشافعي وأحمد . وقال أبو مسعود وسالم : يرده من حيث جاء ، وإذا مر بين يديه ما لا تؤثر فيه إلا الإشارة كالهرة . قالت المالكية : دفعه برجله أو ألصقه إلى الستر . الرابع : هل يقاتله ؟ فيه : فإن أبى فليقاتله . قال عياض : أجمعوا على أنه لا تلزمه مقاتلته بالسلاح ، ولا بما يؤدي إلى هلاكه فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء ، وهل تجب ديته أم تكون هدراً ؟ فيه مذهبان للعلماء ، وهما قولان في مذهب مالك . قال ابن شعبان : عليه الدية في ماله كاملة ، وقيل : هي على عاقلته ، وقيل : هدر ، ذكره ابن التين . واختلفوا في معنى : فليقاتله ، والجمهور على أن معناه : الدفع بالقهر لا جواز القتل ، والمقصود : المبالغة في كراهة المرور . وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة ، ورد ابن الغربي ذلك ، وقال : المراد بالمقاتلة المدافعة . وقال بعضهم : معنى فليقاتله ، فليلعنه . قال ا تعالى . * ( قتل الخراصون ) * ( الذاريات : 01 ) أي : لعنوا وأنكره بعضهم وقال ابن المنذر : يدفع في نحره أول مرة ، ويقاتله في الثانية ، وهي المدافعة . وقيل : يؤاخذه على ذلك بعد إتمام الصلاة ويؤنبه . وقيل : يدفعه دفعاً أشد من الرد منكراً عليه . وفي ( التمهيد ) : العمل القليل في الصلاة جائز ، نحو قتل البرغوث ، وحك الجسد ، وقتل العقرب بما خف من الضرب ما لم تكن المتابعة والطول ، والمشي إلى الفرج إذا كان ذلك قريباً ، ودرء المصلي وهذا كله ما لم يكثر ، فإن كثر فسد . الخامس : فيه أن المار كالشيطان ، في أنه يشغل قلبه عن مناجاة ربه . السادس : فيه أنه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين : إنه شيطان . السابع : فيه أن الحكم للمعاني لا للأسماء ، لأنه يستحيل أن يصير المار شيطاناً بمروره بين يديه . الثامن : فيه أن دفع الأسوأ إنما بالأسهل فالأسهل . التاسع : فيه أن في المنازعات لا بد من الرفع إلى الحاكم ولا ينتقم الخصم بنفسه . العاشر : فيه أن رواية العدل مقبولة وإن كان الراوي له منتفعاً به . 101 ( ( بابُ إثْمِ المَارِ بَيْنَ يَدَيِ المصَلِّي ) ) أي هذا باب في بيان إثم المار بين يدي المصلي ، وأصل المار : مارر ، فأسكنت الراء اللأولى وأدغمت الثانية ، والإدغام في مثله واجب .